القرطبي
62
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ويا أيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر ، وإذا زلزلت ، وإذا جاء نصر الله ، هؤلاء السور نزلن بالمدينة ، وسائر القرآن بمكة . قال أبو بكر : فمن عمل على ترك الأثر والإعراض عن الإجماع ونظم السور على منازلها بمكة والمدينة ، لم يدر أين تقع الفاتحة ، لاختلاف الناس في موضع نزولها ، ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة إلى رأس الأربعين ، ومن أفسد نظم القرآن فقد كفر به ، ورد على محمد صلى الله عليه وسلم ما حكاه عن ربه تعالى . وقد قيل إن علة تقديم المدني على المكي هو أن الله تعالى خاطب العرب بلغتها ، وما تعرف من أفانين خطابها ومحاورتها ، فلما كان فن من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر وتأخير المقدم خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى الذي لو فقدوه من القرآن لقالوا : ما باله عرى من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلى من نظامنا . قال عبيد بن الأبرص : أن بدلت منهم وحوشا * وغيرت حالها الخطوب - عيناك دمعهما سروب * كأن شأنيهما شعيب أراد عيناك دمعهما سروب لأن تبدلت من أهلها وحوشا ، فقدم المؤخر وأخر المقدم ، ومعنى سروب : منصب على وجه الأرض . ومنه للذاهب على وجهه في الأرض ، قال الشاعر ( 1 ) : * أني سربت وكنت غير سروب * وقوله : شأنيهما ، الشأن واحد الشؤون ، وهي مواصل الرأس وملتقاها ، ومنها يجئ الدمع . شعيب : متفرق .
--> ( 1 ) هو قيس بن الخطيم . وتمام البيت : * وتقرب الأحلام غير قريب * وفي اللسان مادة " سرب " : " قال ابن بري : ابن دريد " سربت " بباء موحدة لقوله : وكنت غير سروب ومن رواه " سريت " بالياء باثنتين فمعناه : كيف سربت ليلا ، وأنت لا تسربين نهارا " .